الإثنين , 6 يوليو 2020
فيروس كوفيد 19 والتوازنات العالمية الجديدة / حماده ولد الصوينع

فيروس كوفيد 19 والتوازنات العالمية الجديدة / حماده ولد الصوينع

بما أنني شخص من وسط شعبي، علمتني تجربتي، يقول الرئيس ماوتسي تونغ ما معناه “أن الممارسة علم” وأن العالٍم الذي أكتشف النظريات العلمية لابد أن يعود إلى الممارسة.و في هذا السياق يتبن أن العالَم العربي كغيره  من الأمم ، قد عاش تجربة قاسية و مارس الحياة في ظل جائحة كورونا الرهيبة التي لها تداعياتها، فما الذي يجب أن تستخلصه الدول العربية من هذه التجربة الحاسمة ؟

سبل التعاطي مع الأزمات و الأوبئة

بين الأمس واليوم

دروس يجب أن تأخذها الدول العربية من جائحة فيروس كورونا المنتشر حاليا في العالم، والذي خلف ضحايا  و خسائر بشرية هائلة تجلت في أعداد القتلى و المرضى، و أضرار مادية اقتصادية وأخرى نفسية  باهظة  وقف أمامها العالم في  حيرة .فالفيروس لا محالة سيغير العالم بترتيب جديد ، نطمح أن تكون فيه للعالم العربي مكانة ذات أهمية ، تمكنه من مجاوزة واقعه القاصر على الإحباط و الاستعمار الفكري والذهني ، لعدم وجود حركة تنويرية فكرية تحررية،  ضد الاستعمار الغربي مثل حركة التنوير في أوروبا التي طورت الذهنية إلى مستقبل أفضل.  ويخرجوا بخطة إستراتيجية ونهضة علمية وحرية فعلية، حتى يصبحوا مثلا للأمم الأخرى ، في سيرهم نحو غايات مضمونة. و يبرهنوا على قدرتهم علي تحقيق نظام سياسي قوي في شتى مجالات الحياة المختلفة.

عندما نقرأ عن تاريخ أوروبا في القرن الخامس عشر حيث كانت تقبع في ثقافة الخرافات والسطحية والبدائية البعيدة عن العقلانية، وتحديدا في عام  1545 حينما انتشر مرض الطاعون في مدينة جنيف بسويسرا آنذاك، اعتبرته السلطات المحلية نتيجة مؤامرة سحرية من طرف ساحر يدعي “لانتيل” وأعوانه، فقبض عليه وقتلوه بهمجية حرقا و علنا أمام الناس، فلما أستفحل المرض وصار وباءً قاموا  بقتل أعوانه السحرة ظنا منهم أن سبب المرض هو السحر, لم يستطع أي شخص داخل البلد أو خارجه أن يشك كمقدمة للمعرفة أن المرض له سبب آخر غير السحر ولم يفهموا استمرار المرض بالرغم من إجرائهم ضد الساحر وأعوانه بل و إن   السويسريون قاموا بإعدام  كل وافد إليهم من جنيف خوفا من أن يكون ساحرا.

ولكن بعد كل هذه الأفكار السطحية والتخلف والهمجية فإنهم أصبحوا اليوم في قمة التقدم ويتقنون كثيرا من العلوم و الاكتشافات وصارت عقولهم  مبتكرة وصناعية… الخ، إذا قهروا الطبيعة بالإصرار وبذل الجهد والعلم حتى تفيدهم و يفيدوا البشرية معهم.و قد باتت غاية العلم عندهم هي :”أن نكون أسيادا على الطبيعة و مالكين لها” حسب عبارة ديكارت (1596- 1650) م.

و قد كان ِلجهابذتنا السبق في إدراك قيمة العلم ،كأبي المعالي الجويني و الحارث المحاسبي إضافة إلى القاضي أبو بكر محمد بن الطيب  البصري الباقلاني المتوفى (403)هج  والذي يقول : “العلم هو معرفة المعلوم على ما هو به” ، فهو حصيلة المعرفة بدون  إضافة أو نقص أو تزييف. وفي  الفلسفة المادية العلم هو أولى قواعد البحث التجريبي،  التي قام عليها صرح نهضة قارة أوروبا ومازالت.

أثر الأزمات في تغيير العالم

 

ظهر فيروس كورونا في الصين وانتشر في العالم بسرعة فائقة، علما أنها الآن أقل تضررا من دول كبرى في العالم بفعل الصرامة و دقة التنظيم التي جعلتها تحويه – ثم صار صراعا في رمي الاتهامات تلو الأخرى بين الدول الكبرى وهي عاجزة عن إيجاد حل ينهي أزمة هذا الوباء. فهل يمكن للوباء أن يغير منظومة العالم، إذا ما اعتبرناه حربا، كما غيرت الحرب الأوروبية الأخيرة المنظومة السياسة العالمية للدول و التي كان من  نتائجها انقسام العالم إلى عالم شرقي  وعالم غربي في مؤتمر يالطا عام ” 1945؟ و ما هي النتائج المتوقعة في هذه الحالة بعد أزمة الوباء على الأمة العربية بصفة خاصة؟

من البديهي أنه بعد كل كارثة او حرب او هزة مهما كانت تتحقق نتائج، سواء كانت سلبية او إيجابية علي الأمم . و من المعروف أن العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي 1991، انفردت فيه الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى بالقرار الدولي وقادت العالم بسياسات تخدم مصالحها. ولا شك أنها قوة عالمية اقتصادية وسياسية بدون منازع، فأصبحت عملتها الدولار عملة عالمية وهي تتحكم في منصة الإنترنت وكذا تطورها في المجال التكنولوجي .. الخ.

بدأ العملاق الصيني يتطور و لا ننسي أنه امتداد لثورة الحزب الشيوعي التي بدأ بها ماو تسي تونغ 1949″ في جميع المجالات وخصوصا الزراعية، الثقافية، التكنولوجية والتجارية. و اليوم غزت الصين أسواق العالم بمنتجاتها،  وأصبحت ثاني قوة اقتصادية عالمية،  ونتج عن ذلك صراع شديد ثنائي مع الولايات المتحدة الأمريكية ، في المجالات السياسية والدفاعية  والثقافية ، و في السنوات الأخيرة ، تحول الصراع بينهما إلى موقف سلبي، هدفه “البقاء للأقوى” علي ما يبدو.

أما روسيا الاتحادية بعد وصول بوتين الى قيادة الدولة  فبدأت  تنتعش وتأخذ مكانتها الدولية من ‏جديد . وللتذكير فروسيا وريثة الثورة البلشفية بزعامة لينين  1917 ، والإتحاد السوفيتي بقيادة ستالين وجيشه الأحمر، الذي هزم هتلر في ألمانيا ، وحرر أوروبا الشرقية من النازية في الحرب الأوروبية الثانية التي انتهت  1945 . تعتبر روسيا قوة عظمى متطورة في مجال العلوم والتكنولوجيا. ضف إلى هذا أن الروس فيما يبدو والصين و بحكم التقارب الأيديولوجي ‏أصبحتا حليفتين  ضد الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي. وهاتان الدولتان في الغالب لا  تمتلكان جينات استعمارية.

وكان الحليفان الشرقيان نواة لما يسمى “بدول بريك”  الخمسة ( البرازيل والهند والروس وجنوب افريقيا و الصين )  وهي تضع خططها لإرسال أنابيب الغاز من راضيها إلي الصين و إلي ألمانيا.

ويمكن أن يعد الفيروس بمثابة مرحلة حاسمة في الصراع بين هذه الدول مستقبلا. والذي كان خفيا وأظهره الفيروس، فأين العرب في هذا الصراع الصيني والأمريكي؟

فضعف قدوم التجارة من الصين إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، بذريعة المخاوف لأنها الآن تعتبر منطقة انتشار الوباء.  مع العلم ان الولايات المتحدة الأمريكية أكثر تضررا ، فقد قتل منها ما يقارب 100 ألف شخص ، وتسبب في أضرار اقتصادية كبيرة.

إن منطقة اليورو مع أزمة الفيروس ظهر أن بناءها السياسي كان هشاً ، ودليل ذلك أن إيطاليا كإحدى الدول المؤسسة للاتحاد الأوروبي ، لجأت إلى الروس والصين من أجل إنقاذها وتقديم المساندة الطبية للتغلب على فيروس كورونا .إضافة إلي صربيا وفنزويلا وإيران وبعض الدول الأخرى.

 

وبالتالي كل الأحداث والتغيرات ، الناجمة عن أزمات معينة، على أثرها قويت دول علي أخري وتغيرت منظومة العالم ، لذلك على العرب التفكير  وأغتنام الفرصة للخروج بعد أزمة الفيروس بقوة تمكنهم من اتخاذ  قرارات  مستقبلية ذات أهمية.

فيجب عليهم أن يتأملوا ويدرسوا بجد هذه الأزمة ، لكي يخرجوا بترتيب جديد، فمن المعروف أنهم أساس في الصراع العالمي، ‏ويبدو ان إضعافهم من أهداف الاستعمار الغربي بدون استثناء، ودول العالم الآن ، مهزومة سياسيا واقتصاديا و حائرين و كل دولة تبحث عن مخرج من هذه الأزمة يكون في صالحها.

لقد قرأت في عام  1965 في أعداد من جريدة تسمى ” الشرارة” التي كان يحررها كارل ماركس في بريطانيا مترجمة باللغة العربية ، في مقال كتبه :”أقسم علي أن الرأسمالية ستنهار وطلب من طبقة بروليتاريا أن تطيح بالنظام الرأسمالي في الغرب”. غير أن الأنظمة الغربية لم تشهد انهيارا انذاك. والسبب أن أوروبا قامت بإصلاحات اجتماعية كبيرة كانت أقرب إلى الاشتراكية ، السؤال المطروح هل ذاك القسم وارد الآن أم لا، في ظل أزمة الفيروس؟

الجواب في نظري هو “نعم” في اعتقادي ستقع هزات وستنهار أنظمة حكومية بعد أزمة الفيروس. وأيضا على الرغم من معلوماتي الضعيفة أري أن الديمقراطية حاليا في العالم تخدم الطبقة العليا من المجتمع،  مثل الشركات الكبرى  و الرأسماليين ورجال الأعمال ‏اكثر من غيرهم. ولذلك صدق الفيلسوف الفرنسي موريس دي فيرجيه حين قال أن الديمقراطية هي وحش مفترس وليست سيادة الأمة إلا دولة حاكمة بدون دولة محكومة.  إذا ماذا تحمل أزمة كورونا  في طياتها للعالم مستقبلا ؟

من الضروري ستلقي الأزمة بظلالها وتحدث  تغيرات وتحولات في المجالات السياسية والاقتصادية العالمية والعلاقات والنسق الدولي، فمسألة مستقبل العرب يجب أن تطرح للنقاش، و من الضروري أن تكون هذه الأزمة فرصة للعرب للتشاور الإستراتيجي. وتحديد موقفهم مما سيجري مستقبلا بعد انتهاء  هذه الأزمة بإذن الله و يحددوا مكانتهم في الترتيب العالمي الجديد.

نبذة عن واقع العرب

علي العرب أن يتساءلوا لماذا كل الحروب والكوارث تقع في الأقطار العربية ؟  كحرب اليمن، ليبيا، سوريا، العراق، لبنان والصومال لأن تضعيفهم هو الهدف الأساسي للغرب وبما أنهم ليسوا متحدين في نظام سياسي  واحد يقوم على تقوية دورهم السياسي والأمني في العالم أصبحوا منطقة الفداء والصراع لمصالح الغرب والجيران.

وهذا طبعا من فعل الاستعمار الفرنسي والإنجليزي الذي أتى بعد سقوط الدولة العثمانية، فقد جزأهم إلى عدة دول رغم دينهم الواحد ولغتهم وثقافتهم وحضارتهم الإسلامية الواحدة.

لنمعن النظر قليلا في طيات التاريخ، إن المستعمر الإنجليزي الذي خرج من شبه القارة الهندية في عام 1947 دون تقسيمها،  بعد أن انفصلت عنها باكستان بطلب آنذاك من الداعية الإسلامي الكبير المودودي وأعوانه. على الرغم من عدد سكانها آنذاك تجاوز  600  مليون نسمة و متعددة الأعراق والحضارات واللغات والديانات والثقافات. والسبب عدم وجود عداء حضاري أو ثقافي بينهما، فالغرب يعتبرون أن العداء الحقيقي مع الحضارة العربية الإسلامية منذ عهد الحروب الصليبية إلى يومنا هذا. أضف الى هذا أن هناك عدوان  ثانويان للعرب وهما تركيا وإيران بالرغم من أنهما دولتان مسلمتان وجارتان.

فتركيا حكمت على العرب جميعا بإستثناء مراكش خمسة قرون ونصف. وتطمح للعودة الى عهد الدولة العثمانية وهو السر في تدخلها في القضايا العربية وتورطها في حرب سوريا وليبيا بحثا عن موطئ قدم. وتعتمد أيضا على الحركات الإسلامية الموجودة في الدول العربية. وهنا أنصح هذه الحركات مع أنني احترمها، سواء كانت أراؤنا مختلفة أو متفقة ، بأن شراكتها مع تركيا هي نوع من الإستعمار. وأتمنى أن ينتبهوا الى أن وحدة عربية أكثر جدوى بكثير من تبعية تركيا. و أن يراجعوا منطلقاتهم الفكرية وواقعهم الاجتماعي علي الأقل إلي عهد أحمد حسن البناء الذي كان يطالب بوحدة عربية.

و لماذا لم يتحاوروا مع القوى السياسية الوطنية من الشيوعيين والقوميين و الليبراليين العرب داخل وطنهم؟

وأقترح علي هذه الحركات الإسلامية ان تفهم ان تبنيها  للديمقراطية كنهج سياسي في الوطن العربي ،هو من أجل إرضاء الغرب ، ضف إلي ذلك  أن الغرب لن يقبل التعامل  معهم ولو اعتنقوا  الديانة الكاثوليكية أو البروتستانتية.

وهنا نتساءل لماذا تبحث تركيا في سوريا عن رفات قبر قواد الأتراك،  هل تقديسا  لهم و أحياء للفكر العثماني؟

 

إن سوريا منطقة الحضارة والديانات ومنبع العلم والدين الإسلامي، اليوم أصبحت ضحية وصراع  لمصالح الثالوث التركي و الإيراني والأمريكي.  فاللاجئؤون السوريون هم أداة تركيا، تضغط بها على أوروبا كورقة وتأخذ ثمن ذلك أموالا طائلة. و إيران تتدخل في الحكم من أجل تنظيم الطائفة الشيعية في المنطقة. أما الولايات المتحدة فوجودها في سوريا، خوفا من النفوذ الروسي. إذا أصبحت سوريا منطقة صراع ونفوذ لهذه الدول الثلاثة، ولكن مادامت لم تنسحب لن يوجد استقرار في هذا البلد، وستظل الحرب والدمار مستمرين .

لكن من المعروف أن الجيش في السلم يرث السيادة، وفي الانتصار في الحرب يرث  الشرف، و عند الهزيمة يرث السلطة. وفي ظل الازمة والحرب التي تقوم تركيا بها في سوريا وليبيا، سينهزم جيشها ويرث السلطة. خصوصا و أنها غير عريقة في الديمقراطية. وتركيا بعد الحرب الأوروبية الثانية كانت تعتبر ثاني دولة في حلف الشمال الأطلسي بعد هزيمة حلفها في الحرب، أما  الآن لم تعد ملتزمة مع الحلف من جهة،  ومن جهة أخري فهي تحابي روسيا، وتقوم بشراء السلاح منها، و بالتالي أصبحت متذبذبة في قراراتها ومواقفها.

ويمكنني أن أتنبأ في هذا الإطار باحتمالية انهيار حكم الرئيس أردوغان في الانتخابات القادمة، وذلك لأسباب منها علي سبيل المثال لا الحصر :

إنقسام الحزب الذي ينتمي إليه،

وسقوط  العاصمة اسطنبول تحت قيادة المعارضة،

وتداعيات الانقلاب الأخير الذي خلف عشرات الآلف من المعتقلين في السجون، من ضباط وصحفيين  وسياسيين من أنصار عبد الله أوجلان الموجود في المنفى حاليا. و اخيرا فتركيا تحاول أن تكون دولة ذات أهمية في المنطقة، لكن يجب أن لا يكون ذلك على حساب العرب.

أما في إيران بعد الثورة عام 1979 التي أطاحت بالشاه ،على يد حزب التوده الشيوعي – الذي كان مليئا بالمثقفين  وشديد التنظيم آنذاك –   وكذلك تنظيم مجاهدي *خلق*  – ذي القيادة العسكرية والسياسية القوية، فسيطر الخميني ورجال الدين في *قم* علي الحكم . وقضوا على هاتين الحركتين بعد الثورة،  وعملوا على توسيع وتعزيز قدراتهم كقوة إقليمية في المنطقة. و خاضوا الحرب مع العراق فكانت فيها هزيمتهم العسكرية.

والولايات المتحدة الأمريكية  بدورها أخطأت في احتلال العراق، وتدمير نظامه وجيشه.  وهي مسؤولة أخلاقيا وقانونيا عن مصير العراق. فاحتلالها له كان سببا في إختلال التوازن في المنطقة العربية. و شكل فشلها أيضا دفعا لظهور إيران و انتصارها  كقوة من جديد. وظهور الحركة  “داعش”، وحركة الحشد الشعبي، وحزب الله العراقي المواليان لإيران، والنتيجة انقسام العراق بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية.

لكن الإحداث  الأخيرة التي أسفرت عن قتل وجرح وسجن عشرات الآلاف،  وأطاحت برئيس الوراء عادل علي عبد المهدي برهنت على ان العراق ما زال صامدا ولا بد أن يستقل عن إيران ولن تستقر المنطقة إلا بحكومة مستقلة.

إن إيران تريد تنظيم الطائفة الشيعية  في العالم العربي، وتدخلها في شؤون الأقطار العربية أيضا مثل اليمن، البحرين وسوريا والعراق ولبنان و الذي قسمته الي جيشين ونظامين. وهي تحتل الجزر الإماراتية ” طنب الكبرى وطنب الصغرى وجزيرة أبو موسى، و تهدف من جهة إلى إشغال الأقطار العربية في مشاكل داخلية، ومن جهة أخرى تقوم بتقوية جيشها والتوسع في المنطقة، وتطوير مجال العلوم و صناعة الصواريخ والسلاح النووي، و الذي يخشي العالم الغربي أن تمتلكه،  وهو لا يريد أن يسمح لها بذلك. في حين أن العرب قد بقوا غارقين في المشاكل.

ومن وجهة نظري أري أن نظام الحكم الديني في إيران سيسقط، إما بالحروب الأهلية وإما بالديمقراطية.  فعدم فهمها للأمور الداخلية للمنطقة كالتداخل الديني بينها وبين العرب، فهي تريد تحقيق أهدافها على حساب الجيران.

وعملت على الاتصال بالدول العظمى، و ترسيخ الروابط معا  بدل جيرانها،  وفضلت الانكماش على نفسها. علما ان الحضارة الفارسية انصهرت في الحضارة العربية وليس العكس.

وواضح ان صراع الولايات المتحدة الامريكية مع رجال الدين، و ليس مع الشعب الايراني ذلك من جهة،  ومن جهة أخري هؤلاء الحكام الشيوخ الذين تتراوح أعمارهم بين 70  و 80  سنة، هل هيأوا جيلا يخلفهم  في الحكم أم أن الحكم سينتهي معهم ؟

ونلاحظ أن الحصار الاقتصادي أدى إلى انهيار الطبقة الوسطى في المجتمع الإيراني. يضاف إلى ذلك ما سببته أزمة وباء كورونا من مشاكل كبيرة، عجزت إيران عن احتوائها و بدأت تطلب المساندة من الخارج وهي أمور كلها تنذر بسقوط حكمها.

وخلاصة القول  فالعرب يتجاذبهم الواقع في هذا العصر- وهم منفتحون له، بل و رازحين تحت تأثير حضارته-والذكريات الماضية لحضارتهم. ونسوا أنهم يعيشون في شروط حياتية جديدة. لقد أصبحوا موزعين بين أطراف إما بشدة البعد تارة  وشدة القرب تارة أخري من الحضارة الحديثة. و بطريقة تغطي حقيقة الامة العربية الإسلامية وهو ما تسبب في انحرافهم عن الطريق المستقيم والطبيعي.

 

لذلك  يكون التفكير في وحدة مرحلية من جديد هو الحل.

إقتراحات عملية لوحدة العرب ما بعد أزمة الفيروس

قال تعالي : ” بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ”  الأنبياء الاية 18 .

طالما عانى العرب من بداية القرن العشرين وإلى يومنا هذا من الحروب والاضطهاد الكبير. لذلك يجب أن يعملوا للحصول علي مكاسب ما بعد أزمة

فيروس كورونا، ويجعلوها فرصة لإستعادة إرثهم الكبير والقوة السياسية والاقتصادية والأمنية لشعوبهم. و ليعلم العالم أن هذه مكانتهم التي يستحقونها بين شعوب العالم مجددا.

فيجب اذا على الحكومات والمفكرين العرب بمختلف تخصصاتهم أن ينتبهوا إلى الساحة الدولية بعمق بما فيها من إختلالات وهزات وأن يفكروا و يدرسوا مشروعا لإتحاد ما بعد أزمة الفيروس قال تعالي “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ” الرعد الآية 11 .

واقترح على الدول التالية أن تبدأ بمقترح للتشاور وآلية لوضع خطة تتلائم مع المرحلة الحالية من أجل مستقبلها، وهي المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، الجزائر، مصر، الأردن  وموريتانيا البوابة الغربية للوطن العربي  بمصادرها الطبيعية الهائلة  والانفتاح على إفريقيا

لما يمكنها من تشكيل محور توازن للسياسات العربية الأفريقية….في مرحلة أولى.

وعلى هذه الدول أن تدعو دعوة حارة إلى حركة وحدوية، ويحاولون أن يستخدموا كل الوسائل العصرية من علم ومناهج ونظريات وخطط وجيوش وحشد للمجتمعات وتنظيمها إلى اتحاد تمليه الفترة الحالية. فهم أسسوا أعظم حضارة إنسانية في العالم وهي الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الأندلسية التي دامت أكثر من ستة قرون،

وهم أمة علم ومعرفة فنعرف أن كثيرا من أسلافهم قد سبقوا كثيرا من مفكري أوروبا وعلمائها في كثير من الأفكار والنظريات على سبيل المثال لا الحصر:  محي الدين بن عربي وابن الهيثم سبقا ديكارت إلى معرفة “وحدة الوجود” وفي البصريات وأن الفارابي و إخوان الصفا سبقوا داروين إلى “نظرية التطور” وأن ابن خلدون سبق ماركس إلى “معرفة المادية التاريخية” وسبق كونت إلى تأسيس علم الاجتماع أو علم العمران البشري، والقائمة تطول.

إن علمائهم قد اخترعوا وأنشأوا صناعة الطب والصيدلة وعلم الجبر واللوغاريتم وأسمها ينبئ عن مبتكرها ومعلمها الأول الخوارزمي  والأوروبيون يعرفون ذلك جيدا،

 

فليس من الصعب أن يتوحدوا اذا كانت الإرادة موجودة. ولكن القضية الأهم والتي يجب أن تدرك في هذه الفكرة أن يعودوا بجهد وجد يبذلان في جو مليء بالمنافسات والاحتكارات والأنانية، وضد كل من يريد أن يقصيهم. فهم شركاء في التراث الإنساني ، ومن حقهم أن يستفيدوا منه وينموه ويقدموا إلى البشرية مرة أخرى إضافة جديدة. إن تراثهم خال من العنصرية والهمجية والاستبداد والظلم وهو عكس ما نشاهده في الغرب من ظلم وعنصرية…

إن الظروف الحالية التي يمر بها العالم في ظل أزمة فيروس كورونا مواتية، و ستأخذ الأوضاع لا محالة “ستأخذ”منحى جديدا.  و عليهم أن يتأملوا فيها بعمق لمعرفة مصيرهم مستقبلا بين الأمم. إن كل الأطروحات الطوباوية ، من أجل وحدة العرب قد بائت بالفشل سواء كانت اشتراكية او قومية أو ليبرالية أو إسلامية. ،

وحسب وجهة نظري فإن من ما يضمن لهم مكانة رفيعة، تحقق وحدة مرحلية أتي بها الوضع الدولي،  و جائحة كورونا،  والحرب الباردة بين الشرق والغرب والتي عاد بها الصراع الدولي، الذي كاد أن يقود إلى حرب عالمية ثالثة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، و فشل العولمة التي أتت بها الولايات المتحدة الأمريكية لأنها انفردت و دول الغرب بالقرار الدولي ومصير العالم، اذا هي مسائل من ضمن أخرى كثيرة  حتميا ستغير النظام الدولي العالمي.

بالتالي ربما الوقت مناسب ومواتي لدراسة مشروع للوحدة كرد علي التجزئة، ويجب أن يغتنمه ويبداوا بإظهار ملامحه عبر تفكيرٍ شامل بقيام لجنة سياسية واقتصادية توحد الموقف العربي. علي العرب أن يتأملوا في الأحداث الماضية وفي الواقع الحالي، ويتساءلوا كيف يمكنهم أن يخرجوا بانتصار من هذه الأزمة العالمية، أولا عدد شعوبهم أكثر من 400 مليون نسمة، ثانيا موقعهم على الكرة الأرضية إستراتيجي يُشرف على البحار التجاريّة المهمّة في العالم،  ثالثا مصادرهم الطبيعية هائلة تغطي قطاعات مختلفة من الغاز والنفط مرورا بالمعادن والزراعة وصولا الى الثروة السمكية والحيوانية …

أضف إلى هذا أن  الطاقة من أهم مقومات النهضة الاقتصادية والحضارية والاجتماعية، ومصدراها الأساسيان هما الثروة المائية والنفط.

ففكرة الإتحاد هي الملاذ والخلاص من الواقع المتخلف،  و المهيمن على حرياتهم و سياساتهم وأذهانهم وهذه الوحدة تتطلب قرارات حاسمة. إتحاداً بعيداً عن السياسة السلبية والتنافس، و سريع بعد نهاية أزمة كورونا وفي نظري اغلاق الحدود لا يفيد مع هذه الأزمة بل إعادة التشكيل والإصلاح.

ويجب أن يعتبروها فرصة لهم كعرب ولا ينتظروا أن تصبح الأمور أسوء بعد الأزمة. لأنها ستكون لها تداعيات ربما بعد سنين. إذا يبحثوا عن إعمار وتطوير و يتحدو واقعهم. فقد آن الأوان، فهم بحاجة إلى إتحاد وتنسيق سياسي واقتصادي               واجتماعي إذا أمكن، ولا أري أن ينظم لهم بل اريد أن ينظموا لأنفسهم.

فنقترح علي الإمارات العربية المتحدة أن تستدعي 200  خبير عربي من مختلف التخصصات، في مؤتمر بهدف وضع إستراتيجية مستقبلية وإنشاء لجنة متخصصة في هذا الإطار. ليدرسوا الخطة والبرنامج الخاصة بالوحدة و الوضع القائم و الراهن و الوسائل و تهيئة الجو، وتحديد الأهداف المرحلية والتي من بينها على سبيل المثال حسب نظري،  إنشاء عملة موحدة ويكون البنك المركزي للعملة في الجزائر او المملكة العربية السعودية وجيش موحد يكون مستقل عن الجيوش العربية ويكون مقره في مصر وله قاعدتين واحدة في شمال أفريقيا و الاخري تكون في الخليج العربي.

إن التهيئة لسياسة مرتبطة بالاقتصاد تحتاج إلى إنشاء مشاريع اقتصادية كبرى مشتركة بين الدول في الزراعة والتكنولوجيا… من أجل الحصول على إستقلال علمي وسوق خاص بالعرب، والاهم توحيد برامج التعليم فاللغة واحدة وتعدد المذاهب  ليس عائقا لوحدة برامج التعليم.

وإذا كانت البشرية هي التي قد خلقت عصر الإنتاج الكبير والابتكارات و شيدت دولا عملاقة، فإن العرب يتوجب عليهم العمل للحصول على  نصيبهم من المعرفة والذكاء الصناعي، فواقعهم ليس واقعا لا مفر منه، غير قابل للتغيير و كأنه قدر مقدور، فاستنادا إلى العمل البشري يقول ماركس: ” إن الناس هم الذين يصنعون تاريخهم”.

خاتمة

يتضح مما سلف أن  التعلم من التهاون، و أخطاء الماضي التي لا تحصى، أمر ضروري لمن يريد للسفينة أن  تستمر في التحرك ، والسير إلى الأمام لفترة طويلة. و من واجبهم أولا الضغط على الفرامل، و تصليح كل عطب والتأمل في الحاضر والتفكير في المستقبل.  و عندها يمكنهم تقويم طريقم المنحنى والمائل . فيعتبروا الأزمة فرصة لهم و ليجعلوا خروجهم منها سينعكس إيجابا على وضعهم، بإيجاد موطئ قدم ذا أهمية بين تشكيلة الأمم الجديدة. فيسترخو و يعملوا من أجل تطور  وتقدم شعوبهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*