الخميس , 13 أغسطس 2020
التاريــخ بين الاحتماء والهروب … (صراع التقليد والتجديد) – الأستاذ والباحث زين العابدين محمد الشيخ سيدي محمد.
الأستاذ والباحث زين العابدين محمد الشيخ سيدي محمد.

التاريــخ بين الاحتماء والهروب … (صراع التقليد والتجديد) – الأستاذ والباحث زين العابدين محمد الشيخ سيدي محمد.

التاريخ ذاكرة الشعوب وإشعاعها الكوني وحياتها المنبهة؛ ومن ثم فهو أهم عوامل التحريك نحو غايتها. والإدراك الواعي للتاريخ ليس عملية سهلة وبسيطة، ولكنه أقسى وأعتى من آلام الميلاد نفسها؛ إن لم يشكل هذا الإدراك أو الوعي جديدا بكل ما يصاحبه من آلام وتمخضات، وربما كان هذا هو السبب في سعي القوى الاستعمارية والعدائية عامة إلى التعتيم على تاريخ الأمة الإسلاميه، وإلى محاولة تشويه هويتها.

ولكن في المقابل، نجد من يرى أن التاريخ – كما هو الشأن عند (بول فاليري) – أخطر مادة كيميائية سامة أنتجها عقل الإنسان، ذلك أنه يضخم الذكريات ويقود وراءه أحلاما عظيمة قديمة، ونجد من يزكي هذا الطرح من بني جلدتنا من الحداثيين المستغربين – الذين يسعون لقطع صلتهم بماضيهم – بدعوى أن التاريخ لا يرقى إلى مستوى الصحة نظرا لاضطراب الروايات في الحادثة الواحدة بقولهم:

فما كتب التاريـــــخ في كل ما روت
لقرائها إلا حديـــــــــــــــــــــث ملفق
نظرنا لأمر الحاضريـــــــــــــن فرابنا
فكيف بأمر الغابــــــــــرين نصدق ؟!

بصيغة أخرى: لا بد من الاعتراف أن الأمم في مراحل التخلف والركود الحضاري تصبح محلا لما يلقى إليها من المصطلحات والأفكار والثقافات الواردة إليها من الحضارات والثقافات الأخرى لملء الفراغ الناتج عن توقف فاعليتها وإنتاجها الثقافي، وهو الأمر الذي يدعو الكثير من أفراد الأمة إلى الهروب والالتجاء إلى التاريخ؛ للاحتماء به من الاقتلاع أو الذوبان، والافتخار بإنجاز الأسلاف لتغطية العجز، والتغلب على مركب النقص.

بينما يلجأ آخرون من أبناء الأمة إلى اعتناق الثقافات والأفكار الوافدة التي ليست من إنتاجهم، ولا تتوافق مع معادلات الأمة النفسية والاجتماعية؛ يظنون عندها التقدم وبها الارتقاء! أو على الأقل تسهل تلك الثقافات الوافدة لهم الالتحاق بركب أصحابها وتمنحهم القبول في نطاقها، ومنطلق كلا الفريقين؛ واحد هو التقليد والمحاكاة والانحياز عند العجز عن الإنتاج التاريخي، وانحاز إلى الذات، أما الآخر أسقط الذات، وظن أن الالتحاق بالآخرين يجمل صورته، ويغير موقعه.

لعل عقدة (مركب النقص) أمام الحضارة الغازية، هي التفسير الأدق لمسالك كلا الفريقين !! والسبب في وجهة نظرنا يكمن في نقص الاعتزاز بالحضارة الإسلامية المشرقة وعدم الاحتماء بتاريخ الأمة لجهل الأجيال – أو تجاهلها – للإنتاج الفكري والحضاري لأمتها وذاتها الثقافية وهويتها القومية وشخصيتها الحضارية المتميزة؛ مما ولّد عقدة النقص هذه نتيجة للخواء الفكري وعدم الاطلاع على الاشعاع الحضاري للأمة؛ الأمر الذي نتج عنه «فراغ ذاتي» أوقع أجيال الحاضر في مرتبك الاحتماء وأجيال المستقبل في مرتبك الهروب فكاد التاريخ يتيه في مرتبكي الاحتماء والهروب !!!

وليلّا يضيع مستقبل الأمة الحضاري في سراديب هذه التناقضات والتحديات الثقافية والفكرية كان لزاما علينا أن نسبح قدر الاستطاعة في التاريخ الفكري والثقافي والسياسي للأمة لنتبين أمثلة من تاريخها الحضاري المشع ونستوضح نماذجا من إنتاجها الفكري المشرق؛ لنستجلي اللبس قدر الجهد – ولا يلام المرء في مبلغ الجهد – لعل وعسى أن نوفق في قراءة هذه الإشكالية قراءة موضوعية تستعرض في سياقاتها التحليلية موضوعين اثنين تاريخي وفكري وتؤسس لنقاش مختلف التحديات الحضارية التي عانتها وتعانيها الأمة الإسلامية في وجه التغريب وقراءتها لتاريخها الحضاري والفكري وجدوائية ذلك في إيجاد «البديل الصالح» المنقذ من الجمود “المحافظة” والقادر على منافسة الحضارة الغربية الغازية.

تجاوزا لكل الإشكاليات المتداخلة جدا والمتناقضة كثيرا والمتناصة أحيانا؛ فإن في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية جميع المحاسن والبلاسم الشافية والمخلصة، [ففي صراع أمتنا ضد التحديات التي فرضها عليها الأعداء تجارب تعز على الفهم والتبرير من قبل الذين لا يفقهون الحدة والعنف والمخاطر التي مثلتها هذه التحديات …] ففي الجزائر مثلا وعندما مارس الاستعمار الفرنسي قهر الشخصية القومية للشعب الجزائري ومسخ الهوية الحضارية للأمة بمحاولته “فرنستها” وسلخها من العروبة وانتزاعها من الإسلام الحق … حارب الجزائريون دفاعا عن ذاتهم الحضارية وهويتهم القومية بكل ما أتاحت لهم ظروفهم الصعبة من أسلحة وإمكانيات .. وعندما أصبح “التعليم” يعني “الفرنسية” وهوية المستعمرين … أصبحت “الأمية” سلاحا احتمى به العامة واعتصم به الجمهور ضد الذوبان في حضارة الاستعمار … فالذين ظلوا على أميتهم ظلوا عربا مسلمين حتى قيض الله للشعب قيادة عربية مسلمة مناضلة ممثلة في(جمعية العلماء المسلمين) بقيادة الشيخ المجاهد بن باديس فخاضوا المعركة المقدسة التي أعادت الجزائر إلى أحضان العروبة والإسلام … [وفي صراع أمتنا ضد التغريب صنع القطاع الأكبر من علماء الازهر شيئا شبيها في مواجهة «الفكرية» التي لا تعترف بغير العقل والتي تتبنى نهج الحضارة اليونانية التي لا تعترف عقلانيتها بالوحي ولا بالنصوص ولا المأثورات … وكانت الحضارة الغازية قد أدهشت “الصفوة” وبهرت النخبة ورجحت كفتها كل الرجحان عندما عقدت المقارنة بينها وبين «الفكرية» التي سادت العصر “المملوكي” و”العثماني” …].

ورفضا لهذه الحضارة الغازية استمسك الأزهر الشريف كمؤسسة والجمهور الأعظم من علمائه «بالفكرية» التي سادت في تلك القرون فاعتصموا “بالقديم” على علّاته خوفا من “الجديد” الغريب وانطووا على “الذات” وما حملت من أمراض حذرا من أن يقتلعها “الجديد الوافد”. [ولقد كان لذلك الموقف “المحافظ” على القديم بل والمتسم “بالجمود” في محافظته هذه وجاهته في ظل ظروف الصراع الذي أفرزه … فالمحافظة على “الذات” بما فيها من سلبيات خير من فقدانها بالكلية وبقاء القديم على علّاته أولى من سيادة “الجديد التغريبي” الذي يهدد بسحق الشخصية القومية والهوية الحضارية للأمة … وفي الحالة الأولى (المحافظة والجمود) تبغي “الذات” وتبغي الحفاظ على بقائها … أما في الحالة الثانية (التغريب) فإن الخطر يحدق بمستقبل الأمة الحضاري ويهدد ذاتيتها بالذوبان … كل ذلك منطق أهل “المحافظة” على القديم والاعتصام بهذه المحافظة إلى حد “الجمود”…].

وكان ذلك موقفهم تُجاه طوفان “التغريب” وهو منطق لا يخلو من الوجاهه ولا تنعدم منه الإيجابيات خاصة إذا رأيناه في إطار عصره وعلى ضوء الخطر الذي تصدوا له وإذا ما وضعنا في الاعتبار المقارنة بين المتبنيين له من أهله الذين ظل انتماؤهم للأمة واضحا وأصيلا وبين الذين تغربوا فأصبحوا كما قال جمال الدين الأفغاني: (منافذ لتطرق الأعداء وطلائع لجيوش الغالبين يمهدون لهم السبيل ويقتحمون الأبواب ثم يثبتون أقدامهم). [لكن بعضا من نابهي علماء الأزهر – وغيره – رفضوا موقف الجمهور ورأوا المخاطر الكامنة في مقاومة التغريب بالمحافطة والجمود .. فشرعوا ينبهون الأمة إلى ضرورة التجديد باعتباره الطريق الأكثر أمنا والسبيل الأفعل في الحفاظ على ذاتية الأمة الحضارية والنجاة بمستقبلها من الذوبان في حضارة الغزاة …].

لقد أبصروا أن المحافظة والجمود والانكفاء على فكرية الحقبة المملوكية العثمانية قد تضمن نجاة المحافظين من الذوبان والتغريب لكنها لن تضمن نجاة الأمة من هذا الخطر الداهم فإن مذهب المحافظة والجمود لا يقدم “الدليل” الذي ينافس ما يقدمه المغتربون بل إن ما لدى المحافظين يعد «فكرية» عفا عليها الدهر ولا علاقة لها بجوهر فكر الإسلام وإبداع المسلمين في عصر الازدهار الحضاري … أبصر أعلام التيار التجديدي إذاً هذه الحقيقة وطرحوا منطقهم الجديد [وهو أنك إذا لم تجدد فقه المعاملات وتطوره بالاجتهاد فستدفع الناس تحت إلحاح الضروره والافتقار إلى البديل ستدفعهم إلى القوانين الوضعية وما فيها من خلاف للشريعة ومخالفة للدين …] وإذا لم تجدد أساليب الكتابة والتعبير وتطور العربية كي تستوعب فكر العصر وعلومه فإنك تفتح الباب واسعا لدعاة الكتابة باللاتينية وتدريس العلوم بلغات الفرنجة وغيرهم وتبني مذاهب الغرب وأساليب أهله في التعبير … وإذا نحن لم نحتمي بتاريخنا ونطور فكرنا الإسلامي بتخليصه من سذاجة العصور المظلمة وخرافتها وإحياء العقلانية الإسلامية المتميزة وتطويرها علميا في عقول الناشئة .. [استولت عليها رغما عنك فلسفات الغرب اللادينية … فبالتجديد نستطيع أن نجعل من فكرنا الإسلامي المنطق والمصدر والمكون الأول لنمط حضاري متميز نتقدم به إلى الأمة باعتباره السبيل لنهضتها الحديثة وبعثها القومي الجديد وبذلك يتقدم الأزهر باسم الإسلام والمسلمين بالبديل المنافس عن جدارة وباقتدار “لفكرية التغريب” التي تبشر بحضارة الغرب سبيلا أوحد للنهضة والتقدم …].

أما المحافظة والجمود فإنهما أنقذا ذوات المحافظين إلا أنهما لعجزهما عن تقديم «البديل الصالح» والقادر على منافسة الحضارة الغربية المنتصرة وفي المدى الطويل يمثلان أكبر خدمة تقدم لدعاة التغريب فالمحافظة والجمود سيتركان الأمة في النهاية فريسة سهلة سرعان ما تقع في شراك “المتغربين” … هكذا نظّر المفكرون ومهدّ المؤرخون، وهكذا فكر المجددون من نابهي علماء الأمة خاصة علماء الأزهر الشريف ممن سلكوا مسالك التجديد والبعث الفكري لحضارة الإسلام، لتتواصل على هذا الدرب التجديدي حلقات أعلام التجديد … [أولئك الذين خالفوا وصارعوا تيار “المحافظة” وتيار “التغريب”].

إن الجدل بين القديم والجديد يؤدي إلى تجديد الثقافة وتواصل التراث واستمرار فاعليته وعطاءاته، فلا يشعر الناس بالجديد كالذي يعيش نهاره في حركة دائبة فإنه لا يفاجأ بتحولات الليل والنهار، لكن حين يتم التجديد بعد فترة من بُعد التراث عن التفاعل مع الواقع، وتحيد جوهره وعمده عن توجيه الحياة، فإن التجديد سيؤدي غالبا إلى صراع مرير يحول البلد الواحد إلى ساحة حرب أهلية أبطالها وضحاياها من أبناء أسرة واحدة، وهذا ما يحدث الآن !! لذا [يعتبر المسلمون الحضارة القديمة الوحيدة التي لم تتمكن من تحقيق نهضتها لأنهم لم ينجحوا في تجديد “مخزون أفكارهم”، ولأنهم يبحثون في الماضي بدلا من الحاضر، ولأنهم لا يتحركون إلّا ليتراجعوا، ولأنهم يقيدون بدلا من يحرّروا رغم الحديث الذي يوصيهم “يسّروا ولا تعسّروا”، ورغم كون الرسول صلى الله عليه وسلم أراحهم منذ البداية: “إن خير دينكم أيسره”]. فلماذا هربت أمة الإسلام من تاريخها واحتمى غيرها بتاريخه رغم كل التحديات ؟! [فقد تمكن اليهود من البقاء عبر التاريخ بفضل قدرتهم الفائقة على التأقلم مع جميع المناخات والأجناس، ومع كل أشكال المجتمعات والأنظمة السياسة والأحداث من حروب وثورات و مذابح. لقد خرجوا دائما وفي كل مرة في الصف الأول وفي طليعة السباق من جميع الاضطرابات والتغيرات التي شابت مسيرة التاريخ]، فلماذا “نحن نضلع خلف عربة التقدم” – ونضلع تعني نعرج كناية عن المشي البطيء – ؟؟!!

سؤال لا يزال قائما وسيبقى طالما أن العرب المسلمين باقون في تأخرهم وكل الأمم والدول والمجتمعات من حولهم تتقدم، ولكن ذلك كان في بدايات القرن العشرين أما الآن فالتقدم لا يركب عربة بل مركبة فضائية والعرب لا يمشون خلفها بل يركضون ركضا للوراء بالاتجاه الآخر يلهثون نحو التخلف. نعم بمقارنة بين أوضاع الدول العربية الإسلامية وشعوبها الآن وبين بدايات القرن العشرين تشعر كم من الدهور اتجهنا للخلف وسعينا حثيثا نحو التخلف !!!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*