الجمعة , 19 يوليو 2019

حوار الساعة ( 4) / محمدٌ ولد إشدو

ذ. إشدو: الشعب الموريتاني – حسب رأيي- شعب ذكي جدا، ولديه وعي سياسي فطري يستوي فيه المتعلم منه والجاهل. ما معنى الوعي السياسي الفطري؟ معناه أنه يعرف ما فيه مصلحته وما لا مصلحة له فيه، لكنه ذكي جدا أيضا.. فإذا رأى الهزل من السلطة وأولي الأمر هزل بدوره، وإذا رأى الجد من السلطة وأولي الأمر جد بدوره أيضا. إذن يوجد بعض المثقفين الذين يمكن الاعتماد عليهم.

المختار باب: ألا ترون أن ضعف التعليم في الفترات السابقة ساهم فيما تحدثتم عنه بخصوص صفات المثقف؟ بينما يقال حاليا إن تعليمنا شهد طفرة نوعية، وإنه طال مجالات وتخصصات لا بأس بها. هل انعكس ذلك على دور المثقف اليوم بشكل عام؟

ذ. إشدو: أعتقد أن الجواب نعم. دعتني مؤخرا مجموعة من الشباب تناهز الثلاثين، فإذا لديها دار تستأجرها، ولها اهتمامات سياسية، واهتمامات ثقافية، وقد دعت أشخاصا قبلي. وتسعى لطرح مجموعة أسئلة عن ماضي وحاضر ومستقبل هذا البلد، وهم مستعدون للإسهام في نهضته وبنائه. قلت لهم رأيي في واقع بلادنا الراهن فاستحسنوه، ولا أدري هل كان صوابا، ولكنه ما أعتقده. وقلت لهم: إنكم تسلكون سبيلا خاطئا، فاستوضحوني فقلت: لأنكم في طريق لا يسلكه  المثقفون والساسة في بلادنا، أو من يريدون أن يصبحوا ساسة إلا نادرا. إذ جُلهم يَهُبُّون فجأة من فراغهم فينشئون حزبا أو ناديا أو جمعية أهلية، ويبدؤون في إعطاء التوجيهات والبحث عن التمويلات، دون قراءة أو مراجعة لتاريخ البلاد أو إلمام به، أو بحث عن الحقيقة. ولعلهم يعولون على وحي ما عاد ممكنا أن ينزل، ولا أراه نازلا بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

وأرى أن هذه المجموعة دليل على الخير، وليست وحدها؛ فالكثير من الشباب أصبح مهتما بالشأن العام، وخاصة حين يرى من يقتدى بهم يجنون ثمرة مساعيهم ويتم الانفتاح عليهم.

“المثقفون”..

المختار باب: هنا سنركز قليلا على قضية المثقفين والكُتَّاب. هل يمكن أن تذكروا لنا من يستحقون الوصف بأنهم كُتَّاب، وأهم الكتاب في نظركم حاليا، حين يطرح السؤال عن أبرز الكتاب الموريتانيين.. نماذج؟

ذ. إشدو: فتبارك الله يوجد كُتاب موريتانيون، لكنهم ليسوا سواء؛ فمنهم من يكتبون لأجل الكتابة ومن فراغ! ومنهم المبدعون الذين يكتبون ما يفيد البلاد. مثلا الدكتور محمد المختار ولد اباه، والدكتور محمد ولد عبد الحي، والدكتور أحمد ولد امبيريك، والدكتور إزيد بيه ولد محمد محمود، والدكتور يحي ولد البراء، والدكتور محمد الحسن ولد المصطفى، والأستاذ أحمدو ولد عبد القادر، والأستاذ حبيب ولد محفوظ، والأستاذ الدكتور جمال ولد الحسن، والدكتور محمد ولد عبدي.. وغيرهم. يوجد – لله الحمد- عدد ممن يكتبون المفيد. وثمة ما يحز في نفسي وأود التذكير به، وهو أن بعض كتابنا – وخاصة بعض صحافتنا- لا يحترمون المتلقي، فلا يعتنون حتى بمجرد تصحيح ما يكتبون، أما أن يكون في واد، أو يكون كذبا، أو ثناء على المانح وذم للمانع.. فهذه مشكلة أخرى! لماذا؟ إن للمجتمع روافع منها الصحافة والنقابات ومنظمات المجتمع الأهلي والأحزاب.. إلخ، ومهمتها أن ترفع المجتمع نحو الأفضل، وتساهم في توعيته وتوجيهه، وحين ينخر هذه الروافع سوس الفساد والجهل ويصبح هم الكثير منها التحصيل وتقديس عفوية المجتمع وتكريس الأفكار البالية فيه فماذا تكون عاقبة المجتمع المسكين؟!

المختار باب: بما أن المجتمع هو المتلقي لما ينتجه الكتاب، فمَن الأكثر تأثيرا: الشاعر أم الفنان أم الفنان التشكيلي، أي الأصناف والتخصصات أكثر تأثيرا وملامسة لاهتمام الإنسان الموريتاني؟

ذ. إشدو: نحن في حقيقة أمرنا كنا – وما نزال، رغم كل شيء- بلاد المليون شاعر. ما معنى كوننا بلاد المليون شاعر؟ ليس المعنى أن كل موريتاني شاعر، وإنما أن جميع الموريتانيين يتذوقون الشعر والأدب. وتأثير الشعر فيهم – شعبيا كان أم فصيحا- ما زال أكبر. لقد ولدت الصحافة، ثم ولد العالم الافتراضي وصار ذا تأثير، لكن الكذب والفساد حدا من تأثيره. أعتقد أن الشعر والأدب والفن أدوات ما زالت محتفظة بمفعولها السحري!

هموم العدالة

المختار باب: نتحول قليلا إلى المحور المتعلق بالعدالة؛ خاصة وأنتم محام وتعرفون أروقة العدالة.. هل تعتقدون أننا اليوم نعيش في دولة القانون؟

ذ. إشدو: هذا سؤال صعب جدا، وسألت به خبيرا. دولة القانون غير سهلة المنال ولا بسيطة، ويصعب تحقيقها، وخاصة بعد ثلاثين سنة من التيه.

في الفترة الانتقالية (2005 – 2007) شكا لي رجل أعمال صديق من أحكام صدرت عليه.

المختار باب: في أطار مهمتكم كمحام.

ذ. إشدو: في إطار مهمتي، مع أني غير متعهد في الملف، لكنه صديقي وشكا إلي من حيف تلك الأحكام، فقلت: لا تَشْكُ، فأنتم منذ زهاء 30 سنة – وخاصة من التسعينات إلى الآن- كنتم قررتم أن لا يكون لديكم قضاء! وأعني هنا الطبقة الحاكمة والمؤثرة.

المختار باب: كيف ذلك؟

ذ. إشدو: استغنوا عن العدالة!

المختار باب: نحتاج توضيحا.

ذ. إشدو: أي أنها انعدمت، وحلت أشياء أخرى محلها. وقلت له: مرحبا بالأضرار (Bonjour les dégâts) الناجمة عن قراركم الحر.

في هذا الديوان (أغاني الوطن) أتحدث عن العدالة يومئذ فأقول:

قضاؤكمُ – مولاي- أنتم له أهل ** فليس له فــرع وليس له أصــــل

به معشر باعوا بدنياك دينـــهم ** فَضَلّوا.. فلا عقل لديهم ولا نـــقل!

تَرَبَّوْا على أخلاق زمرتك التي **  شمائلها البهتان والزور والجهل

“وهل ينبت الخَطّيَّ إلا وشِيجُهُ ** وتغرس إلا في منابتها النــــــخل؟!”.

آنذاك لم تعد توجد عدالة، والقشة التي قصمت ظهر البعير كانت تحطيم الهيئة الوطنية للمحامين وتزوير انتخاباتهم، وفتح مهنتهم لكل من هب ودب.

المختار باب: إلى متى؟

ذ. إشدو: عند ما جاءت حركة 3 أغسطس 2005 وعين الأستاذ محفوظ ولد بتاح وزيرا للعدل بذل جهودا، لكنها اقتصرت أساسا على رفع رواتب القضاة وتأثيث المحاكم. لكن بقي الكادر البشري كما كان، ولم تبذل جهود تذكر لتغيير شيء من حاله.

أين المشكلة؟

المختار باب: أين تكمن المشكلة تحديدا؟

ذ. إشدو: سأصل إلى ذك. وقبل ذلك أقص عليك حكاية جرت بيني وبين وزير عدل سابق ما زال على قيد الحياة لله الحمد. كنا نسكن متجاورين في تفرغ زينه، ونحن صديقان. هاتفني مرة طالبا أن آتيه فورا، ليزف إلي البشرى بأمر لديه، وعندما جئته أخبرني بأنه أقنع الرئيس بزيادة رواتب القضاة! وكنا نتحدث دائما عن ضرورة ذلك، فالقضاة يعيشون في بؤس. أنا نفسي كنت قاضيا فاستقلت قبل أن أستلم العمل! لماذا؟ لأني بين نارين:

– إما أن أقتصر على راتبي (وراتب القاضي آنذاك 40 ألف أوقية) في انواكشوط فأموت وتموت أسرتي جوعا.

– وإما أن أمد يدي إلى الرشوة فأهلك دنيا وأخرى. وليس أمامي خيار ثالث.. فاستقلت. السيد حمدي صنبه جوب – رحمه الله- وزير العدل آنذاك قال لي: يا أستاذ أنا أعرفك وسأعينك في أي منصب شئته، فقلت له: يا معالي الوزير كل ما أريده أن توقعوا على استقالتي المقدمة إليكم. قال: لا لا.. قلت له: لا أستطيع وليس في أفقي سوى هذا.

بعد أن وقع وزير العدل استقالتي أحيلت إلى وزارة الوظيفة العمومية، وكان الوزير وقتها الأستاذ اليسع ولد اسويد أحمد، فرفض التوقيع ما لم أسدد تكاليف التكوين الذي تلقيته فتنازلت عن حقوقي المادية الناشئة عن الوظيفة والتقاعد كي يوقع استقالتي. ووقعها فعلا!

عندما جئت الوزير الذي استدعاني، واسمه صو أبو دنبا، بشرني بأنه أقنع الرئيس برفع راتب القاضي إلى ما يفوق 100 ألف أوقية، فقلت له: أيها السيد الوزير إنه الطبيب بعد الموت! غضب وقال: كيف تقول هذا؟ أنت دائما معارض! قلت له: عند ما كلمتك مرارا بغية زيادة رواتب القضاة وكنت تؤول الأمر بدافع نقص التكوين والمعرفة وما إليها كان هذا مجديا آنذاك، لأنهم لم يكونوا قد جربوا طرقا أخرى، أما الآن فإن جلهم قد استغنوا عن هذا ولم تعد تهمهم الرواتب أصلا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*