الإثنين , 9 ديسمبر 2019
مكانة الوزير الأول في موريتانيا/ذ. الزين أيوب
مقترحات للحد من حوادث السير/ محمد ولد محفوظ ولد اعل ولد آوبك

مكانة الوزير الأول في موريتانيا/ذ. الزين أيوب

يعود الفضل لظهور مؤسسة الوزير الأول إلى القرن 16 وتحديدا في بريطانيا سنة 1714م إذ تم اعتلاء عائلة هانوفر العرش نفس السنة وانطلاقا من أن هذه العائلة لا تجيد اللغة الانجليزية كان ذلك عائقا لها عن رئاسة المجلس الخاص الذي هو عبارة عن مجلس وزراء الملك فأدى هذا الفراغ إلى ظهور منصب الوزير الأول ثم  تلته الحكومة، فأصبح الجهاز التنفيذي ثنائيا يتألف من ملك يسود ولا يحكم ومن حكومة يرأسها الوزير الأول تقوم باختصاصات السلطة التنفيذية وهي من سمات النظام البرلماني هذا بالنسبة لابريطانيا، أما في فرنسا فأول بزوغ لهذه الفكرة بدأ مع دستور الجمهورية الخامسة 1958م حيث اعتمد مؤسسة الوزير الأول ومنحه صلاحيات لا يستهان بها وسارت على هذا النهج موريتانيا إذ لم تخرج عن تقوية السلطة التنفيذية التي أصبحت ظاهرة متبعة ، بل خصصت لهذه السلطة منزلة سامية بين المؤسسات تتمتع داخلها مؤسسة الرئاسة بوضعية متميزة  بالنسبة للحكومة التي توجد في وضعية تابعة[1].

من خلال هذه المقدمة سنتطرق إلى تعيين الوزير الأول (الفرع الأول)، وإنهاء مهامه (الفرع الثاني)

الفرع الأول : تعيين الوزير الأول:

يمتلك رئيس الجمهورية وفقا لدستور 91 سلطة تعيين واختيار الوزير الأول إذ تنص المادة30 من دستور 91 على ما يلي :

((يعين الوزير الأول وينهي وظائفه))

من خلال هذه الفقرة يبدو جليا أن هناك سلطة مطلقة لرئيس الجمهورية إزاء اختيار وتعيين الوزير الأول فهو المخول دستوريا في انتقاء من يراه مناسبا لهذا المنصب دون تدخل أحزاب سياسية أو أغلبية برلمانية إذ أن المتأمل في نص الدستور لا يجد فيه ما ينص على تقييد رئيس الجمهورية في اختياره للوزير الأول فاختياره متروك للسلطة التقديرية لرئيس الجمهورية.

وتجدر الإشارة إلى التباين الموجود في إجراءات تعيين الوزير الأول في النظام السياسي الموريتاني عما هو سائد في الدول ذات الأنظمة البرلمانية[2].

ففي الدول ذات الأنظمة البرلمانية لا مجال لرئيس الدولة لأن يقوم بتعيين الوزير الأول أو رئيس الحكومة –حسبما يطلق عليه في بعض الدول- بل مآل ذلك عائد إلى ما ستفرزه نتائج الانتخابات فزعيم الحزب الذي حاز الصدارة هو من يتولى قيادة الحكومة وبالتالي فقرار رئيس الدولة في هذا المضمار يعتبر إجراء شكليا من الناحية الدستورية منبثقا عن خيارات الناخبين ولا يعتبر سلطة تقديرية، ولعل المتأمل في هذا الأسلوب يتضح له أن رئيس الحكومة في النظام البرلماني يتم تعيينه من طرف الناخبين وبطريقة غير مباشرة ولعل هذا ما جعل الابريطانيين يطلقون على رئيس وزرائهم الملك المنتخب[3].

أما تعيين الوزير الأول في موريتانيا لا يخرج عن كونه إرادة منفردة لرئيس الدولة.

ويجدر التنبيه إلى التغيير الأخير الذي طرأ على الدستور الموريتاني إذ أصبح من خلاله منح الثقة للحكومة يحتاج إلى قيد آخر من طرف الجمعية الوطنية وهو منح ثقتها للحكومة كي يتسنى لها مزاولة مهامها استنادا على المادة 42 من الدستور في فقرتها الثانية حيث تقول:

((يقدم الوزير الأول برنامجه أمام الجمعية الوطنية في أجل أقصاه شهر واحد بعد تعيين الحكومة ويلتزم بمسؤولية الحكومة عن هذا البرنامج وفق الشروط المبينة في المادتين 74و75))

وللإيضاح نستشهد بأمثلة من التاريخ السياسي فقد منحت الجمعية الوطنية لحكومة الدكتور مولاي  ولد محمد الأغظف ثقتها وذلك في الانقلاب العسكري 06/08/2008 حيث أعرب السيد العربي ولد جدين  -آن ذاك- عند نهاية التصويت أنه لا وجود لتصويت مضاد وبالتالي تم منح الجمعية الوطنية ثقتها للحكومة.

وفي المقابل إذا تم رفض الجمعية الوطنية للبرنامج الذي أعلنت عنه الحكومة فلرئيس الجمهورية أن يبادر بتعيين الوزير الأول نفسه والحكومة ذاتها وفي هذه الحالة لا تملك الجمعية الوطنية إلا أن تتكيف معها اضطرارا وإلا عرضت نفسها للحل حيث تنص المادة 77 من الدستور على ما يلي:

((إذا حدث تغييران للحكومة في أقل من 36 شهرا على إثر تصويت مناوئ أو ملتمس رقابة لرئيس الجمهورية بعد استشارة رئيس الجمعية الوطنية أن يحل هذه الأخيرة))[4].

ولعل الهدف من هذا الأسلوب هو نوع من استقرار للحكومة لا غنى للدولة ومؤسساتها عنه.

وكما هو واضح فإن رئيس الجمهورية هو صاحب القرار في انتقاء الوزير الأول وله سلطة تقديرية في ذلك إلا أن عليه الوضع في الحسبان واقع البيئة الاجتماعي والسياسي في دولة تتعدد فيها الأعراق لتحقيق التعايش السلمي الذي يشترط توفره بين البرلمان والوزير الأول لأن وجود أغلبية برلمانية معادية من شأنه أن يؤدي إلى شل عمل الوزير الأول[5].

دون أن نغفل ضعف الأحزاب السياسية ومدى تأثيره على تعيين الوزير الأول إذ هو من الأسباب التي تقرب النظام الموريتاني من النمط الرئاسي[6].

إذن كل هذه الأساليب قد تؤثر في اختيار الوزير الأول بيد أن المادة 30 من الدستور لا تفرض الأخذ بعين الاعتبار بهذه المعايير، وبالتأمل في الإجراءات التي اكتنفت تعيين الوزراء المتعاقبين في موريتانيا يتجلى مدى البعد السياسي لهذا التعيين.

فقد تم اختيار السيد سيد محمد ولد بوبكر الذي تم تعيينه وزيرا أول في 18 ابريل وذلك بعد الانتخابات الرئاسية التعددية 14 يناير 1992 وهو رجل حيادي لم يكن مؤازرا لحزب سياسي ولم تكن له وظيفة انتخابية[7].

وبعد أن تمت إقالته 2 يناير 1996 بدأ تأثير اللعبة السياسية يطفو على السطح ومن مظاهره تضييق الخناق على الخصوم السياسيين ومنح مركز الوزير الأول لولاية الحوض الشرقي والتي أصبح أبناؤها يتناوبون على الوزارة الأولى إذ تم تعيين السيد الشيخ العافية ولد محمد خونه وزيرا أول في يناير 1996 بناء على انتسابه لتلك الولاية كما حصل ذلك مع السيد اصغير ولد امبارك في فترة صعبة تستعد فيها البلاد لانتخابات رئاسية.

ويرى بعض المحللين بأن الهدف من وراء تعيين السيد اصغير ولد امبارك هو إقصاء السيد مسعود ولد بلخير في انتخابات نوفمبر 2003 كما يتجلى ذلك أيضا من خلال الانتخابات الرئاسية 2007 حيث بادر الزعيم الحائز على الصدارة في الانتخابات إلى تعيين السيد الزين ولد زيدان وزيرا أول كصفقة تم إبرامها قبل فوز الرئيس المنتخب مقابل دعمه له في الانتخابات.

كل هذا يجعلنا مقتنعين بأن للأوضاع الاجتماعية والسياسية تأثيرها البالغ في اختيار الوزير الأول.

إذن الرئيس قد يجد نفسه مضطرا إلى التعامل مع إحدى الشخصيات البارزة التي لها صيت شعبي لا يستهان به.

وإذا كان ما ذكر داخل البلاد، فقد يجد الرئيس نفسه ملزما بمراعاة ظروف دولية من أجل تقوية صلته بالخارج فقد تم اختيار الأستاذ محمد الأمين ولد اكيك وزيرا أول في 18 دجمبر 1997 في فترة استشرى فيها الفساد المالي والإداري لتحقيق نزاهة وحكم رشيد واستقطاب ثقة الممولين والشركاء الدوليين.

كما أن تعيين السيد مولاي ولد محمد الأغظف سنة 2008 إثر الانقلاب الأخير على السيد سيد محمد ولد الشيخ عبد الله قد يكون له بعد سياسي يتجلى في رغبة النظام في الاستفادة من خبرة وعلاقة الرجل الوطيدة بالمجتمع الأوروبي.

وبالتالي فوجود سلطة تقديرية يمتلكها رئيس الدولة في اختيار الوزير الأول قد تتأثر كثيرا بالدوافع السياسية مما يجعل رئيس الجمهورية يختار هذا الشخص أو ذاك.

 

الفرع الثاني: إنهاء مهام الوزير الأول:

إذن لرئيس الجمهورية سلطة تقديرية تمكنه من إقالة الحكومة فقد يتم ذلك من خلال إقالة الوزير الأول التي ينتج عنها استقالة جماعية للحكومة إذ تنص المادة 30 في فقرتها الثانية من الدستور على ما يلي :

(( يعين الوزير الأول وينهي وظائفه))

إذن يبدو للمتأمل في نص المادة -آنفة الذكر- أن إنهاء مهام الوزير الأول من الاختصاصات الدستورية الممنوحة لرئيس الجمهورية فرئيس الجمهورية هو الوحيد الذي بإمكانه أن يضع حدا لمهام الوزير الأول وبإمكانه أن يقوم بذلك متى شاء وللاعتبارات التي يراها[8].

غير أننا نود التنبيه إلى أن هناك حالات ينتهي فيها دور الوزير الأول أو مهامه دون تدخل من رئيس الجمهورية ويتجلى ذلك في حالة الاستقالة العادية أو رفض برنامجه أو تلك الناتجة عن عدم منحه الثقة أو نتيجة ملتمس رقابة أو وفاته فإنهاء مهام الوزير الأول سلطة دستورية مخولة لرئيس الجمهورية[9].

فإذا كان تعيين الوزير الأول وليد ملابسات معينة فإنهاء مهامه له ارتباط بأسباب وعوامل سياسية إما لأنه لم يعد يثق فيه أو لأن المهمة التي أنيطت به انتهت أو غير ذلك من الأسباب[10].

وانطلاقا من ذلك يبقى رئيس الجمهورية هو صاحب  كلمة الفصل في إنهاء مهام الوزير الأول وتقدير المحيط الملائم لذلك، وفي تاريخنا السياسي ما يعزز ذلك.

فقد أقيل الوزير الأول الأسبق السيد الشيخ العافية ولد محمد خونه وحكومته في 06 يوليو 2003 وتلك الإقالة ناتجة عن طلب اللجوء السياسي إلى إسبانيا التي سعى فيها الوزير الأول –آنف الذكر- أثناء المحاولة الانقلابية التي لم تكلل مساعيها بالنجاح 2003 فقد اعتبر الرئيس معاوية ولد الطايع هذا التصرف خيانة لنظامه وجريمة لا تغتفر.

وكما هو واضح أن علاقة الوزير الأول بالرئيس علاقة ثقة واحترام فإذا انعدمت تلك العلاقة كان من المسلم به وضع حد للوزير الأول.

كما يمكن إنهاء مهامه لا لفقدان ثقة وإنما لسبب وعامل ظرف سياسي يقتضي استبداله لتحقيق أهداف سياسية في نظر رئيس الجمهورية فقد أقيل الوزير الأول –سابقا- السيد سيد محمد ولد بوبكر في 02 يناير 1996 لأسباب شخصية في نظر الرئيس معاوية ولد الطايع وليست ناتجة عن عدم ثقة لأنه بعد إقالته مباشرة استدعي للأمانة العامة للحزب الجمهوري الديموقراطي –آن ذاك- فتعيينه أمينا عاما للحزب الجمهوري حجة قوية على أن أسباب الإقالة من الوزارة الأولى ليست أزمة ثقة وإنما لتحقيق أهداف سياسية.

كما قد تتم إقالته على أساس أن المهمة التي اقتضت تعيينه وزيرا أول انتهت، فقد تم إسناد حقيبة الوزارة الأولى وللمرة الثانية للوزير الأول –آنف الذكر- وذلك في 07 أغسطس سن 2015 وذلك خلال الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع حيث عين السيد سيد محمد ولد بوبكر وزيرا أول في الفترة الانتقالية وبعد انتهائها فقد منصبه بعد اكتمال المسار الانتقالي[11].

ومهما تكن الأسباب والعوامل فإن الإقالة كالتعيين ورئيس الجمهورية هو صاحب الأمر ويقوم به وفق سلطته التقديرية دون شروط أو قيود.

إلا أننا نود الإشارة إلى أن إقالة الوزير الأول تنبثق عنها إقالة الحكومة نظرا للعلاقة التضامنية الموجودة بين الحكومة والوزير الأول.

بيد أن رئيس الجمهورية له أن يجدد الثقة للحكومة من خلال تعيين وزير أول جديد.

وفي الختام نشير إلى أن إقالة الوزير الأول في موريتانيا لا تتم عادة بمرسوم معلن أو عبر وسائل الإعلام الرسمية، بل يتم ذلك عن طريق إشعار الوزير الأول بصفة سرية بإقالته ثم يقدم هو نفسه استقالة حكومته أمام رئيس الجمهورية[12].

 

أ . الزين ولد أيوب الإمام

[1] – فاطمة بنت الطيب ولد اسباعي مؤسسة الحكومة في النظام السياسي الموريتاني  1991 بحث لنيل شهادة الماستر في القانون العام جامعة نواكشوط 2012-2013 ص10

[2] – محمد المختار ولد بلاتي الحكومة في النظام السياسي الموريتاني في ظل دستور 1991 بحث لنيل شهادة الماستر في القانون العام جامعة سوسه ص15

[3] – نفس المرجع السابق ص35

[4] – الأستاذان سيد محمد ولد سيد اب ومحمد ولد الكبير نصوص ووثائق دستورية موريتانية ص33

[5] – محمد محمود ولد محمد سالم السلطة التنفيذية في النظام السياسي الموريتاني رسالة لنيل الماجستير جامعة الحسن الثاني 1997 – 1998 ص122

[6][6] – نفس المرجع السابق ص123

[7] – محمد المختار ولد بلاتي الحكومة في النظام السياسي الموريتاني  مرجع سابق ص16

[8] – سيد محمد ولد سيد أب  السلطات العامة والعلاقة بينهما في ظل النظام الدستوري الموريتاني رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام كلية الحقوق الرباط 1993 ص87

[9] – فاطمة بنت الطيب ولد اسباعي مؤسسة الحكومة في النظام السياسي الموريتاني 91 مرجع سابق ص17

[10] – محمد المختار ولد بلاتي الحكومة في النظام السياسي الموريتاني في ظل دستور 91 مرجع سابق ص21.

[11] – محمد المختار ولد بلاتي الحكومة في النظام السياسي الموريتاني في ظل دستور 91 مرجع سابق ص22

[12] – سيد محمد ولد سيد اب السلطات العامة والعلاقة بينهما في ظل النظام الدستوري الموريتاني مرجع سابق ص99

 

‫في الخميس، 28 فبراير 2019 في 11:27 م تمت كتابة ما يلي بواسطة ‪Mautez Jeilany‬‏ <‪mautezjeilany@gmail.com‬‏>:‬

 

ذ. الزين ولد أيوب الإمام

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*