تأسيس اتحاد رسمي للجالية المسلمة في روما لتعزيز الحوار والمواطنة
فبراير 18, 2026
روما

شهدت العاصمة الإيطالية روما انعقاد المؤتمر الأول لجمعية الجالية المسلمة في روما (CIR)، في حدث وصفه المشاركون بالتاريخي، كونه يمثل الإعلان الرسمي عن تدشين أول اتحاد يضم عشرين مركزًا وهيئة إسلامية تحت مظلة واحدة، برئاسة الشاب الموريتاني أحمد فال ولد داه.
المؤتمر الذي حمل عنوان «الإسلام والمجتمع: الحرية الدينية، الحقوق والمواطنة» عُقد بحضور برلماني وأكاديمي وقانوني لافت، وسط اهتمام واسع بملف الحرية الدينية وواقع المسلمين في إيطاليا.
افتتاح بالقرآن وترسيخ لمعنى الوحدة
استُهلت فعاليات المؤتمر بتلاوة آيات من القرآن الكريم:
«واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا»، في رسالة رمزية تعكس هدف الاتحاد الجديد في توحيد الصف والعمل المؤسسي المنظم.
روما
وفي كلمته الافتتاحية، رحّب مؤسس الجمعية ورئيسها المنتخب الشاب الموريتاني أحمد فال ولد داه بالحضور، مؤكدًا أن تأسيس الجالية جاء استجابة لتطلعات أبناء الجالية المسلمة في روما، وأن الهدف هو بناء كيان جامع يمثل المسلمين تمثيلًا مسؤولًا في إطار القانون والدستور الإيطالي، مع السعي لتعزيز الحوار مع مؤسسات الدولة.
كارميلو روسو: الجالية فاعل اجتماعي لا مجرد حضور عددي
وفي مداخلة ذات طابع سوسيولوجي وأنثروبولوجي، قدّم البروفيسور كارميلو روسو قراءة تحليلية لواقع المجتمع المسلم في روما، مسلطًا الضوء على التحولات الاجتماعية والثقافية التي تشكل حضوره في العاصمة الإيطالية.
وأكد روسو أن الجالية المسلمة لم تعد مجرد حضور عددي، بل أصبحت فاعلًا اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا له مساهمة ملموسة في حياة المدينة، مشددًا على أن تنظيم هذا الحضور في إطار مؤسسي يعزز الاستقرار الاجتماعي ويفتح المجال أمام حوار أكثر نضجًا بين المؤسسات الرسمية والمكونات الدينية.
وأضاف أن فهم الظاهرة الدينية في بعدها الاجتماعي يمثل ضرورة لصنّاع القرار، وأن سياسات الإدماج الناجحة تقوم على الاعتراف المتبادل والشراكة لا على المقاربات الأمنية أو الاختزالية.
إيلاريا فالينزي: الحرية الدينية مبدأ دستوري
من جانبها، تناولت البروفيسورة إيلاريا فالينزي العلاقة بين الدين والدولة، مؤكدة أن الحرية الدينية مبدأ دستوري أصيل في النظامين الإيطالي والأوروبي، وأن من حق أي أقلية أن تؤسس كيانًا يمثلها ويتحدث باسمها في إطار القانون.
وشددت على أن الجالية المسلمة لها حق مشروع في الحضور المؤسسي والمشاركة في الحياة العامة، باعتبارها مكونًا من مكونات المجتمع الإيطالي.
عبد الرحمن جاد الرب: تأسيس منضبط في إطار القانون
أما عبد الرحمن جاد الرب، فتناول البعد القانوني لتأسيس الجالية، مؤكدًا أن الخطوة جاءت متوافقة مع أحكام الدستور الإيطالي ومبادئ المواطنة والاندماج.
وأشار إلى أن المسلمين جزء لا يتجزأ من المجتمع الإيطالي، وأن تأسيس هذا الكيان يمثل انتقالًا من العمل الفردي إلى العمل المؤسسي المنظم، بما يعزز فرص الحوار والتعاون مع الجهات الرسمية.
باولو شاني يشعل القاعة: من النصوص إلى التطبيق
وشهد المؤتمر ذروة التفاعل خلال كلمة البرلماني الإيطالي باولو شاني، التي قوبلت بتصفيق حاد ووقوف الحضور احترامًا لما تضمنته من رسائل واضحة.
وأكد شاني ضرورة تفعيل مبدأ الحرية الدينية وحرية الاعتقاد كما نص عليه الدستور الإيطالي والمواثيق الأوروبية، مشددًا على أن حرية الاعتقاد أحد المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان ولا يجوز إخضاعها للحسابات السياسية.
روما
وانتقد ما اعتبره تهميشًا لدور المسلمين في إيطاليا، رغم أن عددهم يناهز ستة ملايين بين مهاجرين ومسلمين إيطاليين، مطالبًا بضمان حقهم الكامل في تأسيس جمعيات تمثلهم وممارسة شعائرهم بحرية.
كما أشار إلى قربه الدائم من الجالية المسلمة في روما، مؤكدًا ما يربطه بممثليها من علاقات أخوة وصداقة، ومعلنًا استمراره في العمل داخل البرلمان لحث الحكومة الإيطالية على منح المسلمين دورًا أكثر فاعلية في الحياة السياسية والاجتماعية.
وخلال المؤتمر، عُرضت مداخلة سابقة له داخل مجلس النواب انتقد فيها سياسات الحكومة الحالية تجاه مسلمي إيطاليا، ما زاد من تفاعل الحضور مع كلمته.
ستيفانيا سكوديري: الإسلام الديانة الثانية دون اعتراف كامل
وعبر تقنية الاتصال المرئي، شاركت البرلمانية ستيفانيا سكوديري، عضو مجلس الشيوخ عن حزب الخمس نجوم، مؤكدة أن الإسلام يُعد الديانة الثانية في إيطاليا من حيث عدد الأتباع، الذين يصل عددهم إلى نحو ستة ملايين نسمة، ومع ذلك لا يحظى باعتراف رسمي كامل يعكس هذا الواقع.
وأشارت إلى وجود نحو مليون طفل وُلدوا في إيطاليا لآباء مسلمين مهاجرين، ويواجه كثير منهم صعوبات قانونية في الحصول على الجنسية الكاملة، معتبرة أن هذه المفارقة تستدعي مراجعة جدية لسياسات الاندماج.
وهنأت سكوديري الحضور على تأسيس الجالية، ووصفتها بأنها خطوة مهمة نحو تمثيل منظم وفاعل للمسلمين في العاصمة الإيطالية
كارلا فيرمارييلو: روما مدينة للجميع
بدورها، أكدت كارلا فيرمارييلو، عضوة مجلس مدينة روما ورئيسة لجنة المدارس والطفولة المبكرة، دعمها الكامل لتأسيس الجالية، مشددة على حق أبناء الجالية المسلمة في الحياة والتعليم والعمل.
وقالت إن روما مدينة متعددة الثقافات، وإن جميع سكانها مواطنون دون تمييز بسبب الدين أو العقيدة، داعية إلى مواجهة كل أشكال العنصرية والعمل على تعزيز ثقافة التعايش
خطوة استراتيجية في سياق إيطالي حساس
ويأتي تأسيس جمعية الجالية المسلمة في روما في سياق سياسي واجتماعي يشهد نقاشًا متصاعدًا حول قضايا الهجرة والهوية والاعتراف الديني في إيطاليا.
ويرى مراقبون أن توحيد عشرين مركزًا إسلاميًا تحت مظلة واحدة يمثل خطوة استراتيجية نحو تنظيم الصوت الإسلامي في العاصمة، وبناء قناة مؤسسية واضحة للحوار مع الدولة، بعيدًا عن التشتت أو التمثيل غير المنظم.
وقد عكس الحضور الرسمي والتفاعل الكبير خلال المؤتمر وجود رغبة مشتركة في الانتقال من الجدل النظري حول الحقوق إلى آليات عملية تضمن تفعيلها، بما يعزز مفهوم المواطنة المتساوية ويكرس مبادئ الدستور الايطالي علي أرض الواقع

الضياء الإخباري موقع إخباري موريتاني مستقل