الرئيسية » الأخبار » زيارة رئيس الجمهورية لآدرار.. فاتحة إعادة تأسيس واعية للدولة

زيارة رئيس الجمهورية لآدرار.. فاتحة إعادة تأسيس واعية للدولة

بقلم .المدير العام للمعهد الوطني للفنون. عبد الباقي محمد

المتابع لخطاب فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، أمام سكان آدرار في أطار، سيدرك أنه لم يكن خطابا موجها إلى ولاية آدرار وحدها، بل حمل رسائل تتجاوز حدودها إلى عموم المواطنين، جاءت في مسار تصاعدي: من عرض ما تحقق من إنجازات ومشاريع، إلى طمأنة المواطنين بشأن الأمن والاستقرار، وصولا إلى استعادة سؤال التأسيس نفسه، بما يوحي بفتح مرحلة جديدة، أكثر وعيا، تضع أمامها أهدافا ورؤى واضحة لإعادة بناء الوطن على أسس تستجيب لمتطلبات الحاضر وتطلعات المستقبل.

 

ويمكن اختصار جوهر الخطاب في رسالة واحدة: موريتانيا مستقرة، لكنها لم تكتمل بعد؛ هناك إنجازات تحققت، واختلالات ما تزال قائمة؛ والمطلوب الآن أن نبحث معًا عن إجابة جديدة لسؤال قديم: أي موريتانيا نريد؟

 

رسائل أطار.. من طمأنة الحاضر إلى سؤال المستقبل

 

لم يكن خطاب رئيس الجمهورية في أطار مجرد عرض لمشاريع تنموية تخص ولاية آدرار، رغم ما تضمنه من أرقام والتزامات، من أبرزها ربط أطار بالشبكة الكهربائية الوطنية، وإعادة تأهيل طريق أطار–أكجوجت، ومواصلة البحث عن حلول لمشكلة المياه، إلى جانب تنشيط الزراعة والسياحة.

 

كانت الرسالة الأولى رسالة طمأنة. فقد أكد الرئيس أن الوضع الأمني مستتب، وأن الحياة السياسية طبيعية، وأن مؤسسات الدولة تعمل بانتظام، كما قدم صورة عن الوضع الاقتصادي بوصفه تحت السيطرة، مع توقع تحقيق نسبة نمو تقارب 5% خلال السنة.

 

غير أن هذه الطمأنة لم تأت في صورة إعلان عن اكتمال المشروع الوطني؛ فقد أقر الرئيس، في المقابل، بوجود صعوبات واختلالات ومشكلات، وبأن ما تحقق حتى الآن لا يعني أن كل ما كان ممكنا قد تحقق.

 

ومن هنا تأتي الرسالة الثانية: رسالة الإنصاف في التنمية.

 

فالمواطن، أينما كان، ينبغي أن يجد نصيبه العادل من إمكانات وطنه، وأن تتحول الحاجات المحلية إلى عنصر أساسي في صناعة القرار التنموي. وبذلك لا تعود التنمية مجرد أرقام ومؤشرات عامة، وإنما تصبح أثرًا ملموسًا في حياة المواطنين، في الولايات والمقاطعات والبلديات، كما في العاصمة.

 

أما الرسالة الثالثة فهي رسالة المصارحة. فلم يتجاهل الرئيس تأثير الأزمات الخارجية على الأسعار والطاقة، وتحدث عن كلفة دعم المحروقات وعن الدعم المباشر للأسر الأقل دخلًا، في الوقت الذي دعا فيه إلى تعزيز الجبهة الداخلية واللحمة الاجتماعية، باعتبارهما من مقومات قدرة الدولة والمجتمع على مواجهة الأزمات.

 

لكن الرسالة الأكثر دلالة في الخطاب، والأجدر بالتوقف عندها، هي استعادة سؤال التأسيس: «أي موريتانيا نريد؟»

 

فاستحضار السؤال الذي طرحه الرئيس المختار ولد داداه في أطار قبل الاستقلال، ووضعه أمام جيل جديد تغيرت ظروفه واتسعت حاجاته وارتفعت تطلعاته، ليس مجرد استعادة تاريخية؛ وإنما يمكن قراءته باعتباره دعوة إلى إعادة التفكير في المشروع الوطني نفسه، بما يتلاءم مع موريتانيا اليوم، لا موريتانيا الأمس.

 

وهنا ينتقل الخطاب من مستوى السياسة اليومية إلى مستوى أعمق: هل تكفي المؤسسات والهياكل التي ورثناها من مراحل سابقة للاستجابة لمتطلبات الدولة والمجتمع اليوم؟ وما الذي ينبغي تطويره أو إعادة بنائه لتعزيز دولة المواطنة والقانون والمؤسسات، وتحقيق مزيد من العدل والإنصاف والكرامة؟

 

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة خطاب أطار باعتباره خطابًا يتحرك في ثلاثة مستويات مترابطة: طمأنة بشأن الحاضر، ومصارحة بنواقصه، ثم فتح أفق للتفكير في مستقبل الدولة والمشروع الوطني.

 

ولعل الأهم أن استعادة سؤال «أي موريتانيا نريد؟» لا ينبغي أن تبقى مجرد عبارة في خطاب سياسي، بل أن تتحول إلى سؤال وطني مفتوح، تشارك في الإجابة عنه الدولة والنخب والمجتمع والمواطنون.

 

فإذا كان تأسيس الدولة قد بدأ ذات يوم بسؤال عن موريتانيا التي نريد، فإن إعادة تأسيسها اليوم ــ إن كان هذا هو الأفق المقصود ــ ينبغي أن تبدأ أيضا بسؤال واع عن موريتانيا التي نريد أن نورثها للأجيال القادمة.

بقلم .المدير العام للمعهد الوطني للفنون. عبد الباقي محمد

شاهد أيضاً

مرسوم رئاسي بتعيين أعضاء اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان

أعلنت رئاسة الجمهورية أنه بموجب مرسوم صادر اليوم الثلاثاء  تم تعيين أعضاء اللجنة الوطنية لحقوق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *