معلم خريج أو قديم لا فرق، كلا الرجلين لا يبلغ راتبه مائة ألف أوقية، في ظل تعطيل وزير المالية لتقدمات الموظفين، تصور أنهم أرسلوه إلى مكان ناء، لا اتصال فيه، ولا مصارف، مكث صاحبنا ثلاثة أشهر، يراكم عليه صاحب الدكان في القرية الديون، وأسرته في العاصمة تتراكم ديونها أضعافا.
اقترض مبلغا ماليا يصل به إلى العاصمة عند بداية عطلة الفصل الأول، وفي الصباح ذهب إلى البنك، فأخبروه أن حسابه لم يعبأ منذ ثلاثة أشهر!
تخيله يقدم رجلا ويؤخر أخرى، لا يستطيع العودة إلى صبيته، ولا يستطيع المرور أمام دكان الحي… في خضم ذلك يمرر شريط الذكريات أمام ناظريه، يستعيد صاحب الحانوت في مكان العمل، والفلاح الذي اقترضه من مدخراته الزهيدة ما يوصله للعاصمة.
يتجاسر صاحبنا، وإنه لا بد مما ليس منه بد، ويعود ويصارح أهله بالحقيقة، وفي صبيحة الغد يذهب إلى وزارة التعليم، يستفسر عن الأمر، يرد عليه موظف الاستقبال، بعد أن يأخذ نفسا عميقا من السجائر، ويكمل مراسلته مع صديقه – أنا مشغول، اذهب إلى المكتب المقابل.
في المكتب المقابل فتاة بكامل زينتها، أمامها حاسوب، وقطعة خبز، وعلبتا لبن وماء، وهي منهمكة في تسجيل رسالة صوتية لخطيبها المحتمل، تحاول فيها التأنق في صوتها، وفجأة يقول صاحبنا: السلام عليكم، فتغضب الفتاة، اللعنة عليكم، إن صوتك الشاحب جلب لي الاكتئاب، وقد يكون سببا في نهاية “سعدي”! اخرج من هنا.
يعود للمكتب الأول، وبعد طول انتظار، يقول الموظف: هات معلوماتك، ويبحث فيكون الرد: وصلتنا رسالة تعليق في حقك من مدير مدرسة (كذا) في عرفات! يقول صاحبنا: ويحك! ما لي ولعرفات؟ أنا أدرس في قرية نائية على الحدود مع دولة مالي!
تضيق بصاحبنا الأرض، ويقرر العودة قبل انتهاء العطلة، يستقبله المدير الجهوي بالحوض الشرقي، يقول: أنت كنت في مكان عملك، ولم تتغيب قط، ولدينا شهادات بحسن سيرتك وسلوكك من زملائك ومفتشيك! يقول صاحبنا: والآن أريد حقي، أريد رسالة استرجاع! يقول المدير: أنا مستعد لأن أكتب لك ألف رسالة استرجاع، لكنك لن تستعيد شيئا! فاستغل وقتك، وفوض الأمر لله والتحق بمقر عملك!. فينظر صاحبنا إلى السماء، أجل إلى السماء.
الضياء الإخباري موقع إخباري موريتاني مستقل